محمد حسين هيكل
247
حياة محمد ( ص )
صلح خيبر وانهيار سلطانها السياسي عامل محمد يهود خيبر بغير ما عامل به بني قينقاع وبني النّضير حين أجلاهم عن أرضهم ، لأنه أمن بسقوط خيبر بأس اليهود ، وآمن بأنهم لن تقوم لهم بعد ذلك قائمة أبدا . ثم إن ما كان بخيبر من الحدائق والمزارع والنخيل كان يحتاج إلى الأيدي العاملة الكثيرة لاستغلاله وحسن القيام على زراعته . ولئن كان أنصار المدينة أهل زراعة ، لقد كانت أرضهم بها في حاجة إلى أذرعهم كما أن النبي كان في حاجة إلى جيوشه للحرب ، فهو لا يرضى أن يتركها للزرع . وكذلك ظلّ يهود خيبر يعملون بعد أن انهار سلطانهم السياسي انهيارا جنى على نشاطهم ؛ حتى لقد أسرعت خيبر من ناحية الزراعة نفسها إلى البوار والخراب ، مع ما كان من حسن معاملة النبي أهلها ، ومن عدل عبد اللّه بن رواحة رسوله إليهم كل عام بينهم في القسمة . وكان من إحسان النبي معاملة يهود خيبر أنه كان من بين ما غنم المسلمون حين غزوها عدّة صحائف من التوراة ، فطلب اليهود ردها فأمر النبيّ بتسليمها لهم ، ولم يصنع صنيع الرومان حين فتحوا أوريشلم وأحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم ، ولا هو صنع صنيع النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا كذلك صحف التوراة . ولمّا طلب يهود خيبر الصلح ، أثناء محاصرة المسلمين إيّاهم في حصني الوطيح والسّلالم ، بعث النبيّ إلى أهل فدك ليسلّموا برسالته أو يسلّموا أموالهم . ووقع في نفوس أهل فدك الرعب بعد الذي علموا من أمر خيبر ، فتصالحوا على نصف أموالهم من غير قتال . فكانت خيبر للمسلمين لأنهم قاتلوا لاستخلاصها ، وكانت فدك خالصة لمحمد لأن المسلمين لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب . إذعان وادي القرى وتجهز الرسول بعد ذلك كله للعود إلى المدينة عن طريق وادي القرى ؛ فتجهّز يهودها لقتال المسلمين ، وقاتلوا . لكنهم اضطرّوا إلى الإذعان والصلح كما صنعت خيبر . أمّا يهود تيماء فقبلوا الجزية من غير حرب ولا قتال . وبذلك دانت اليهود كلها لسلطان النبيّ ، وانتهى كل ما كان لهم من سلطان في شبه الجزيرة ، وأصبح محمد بمأمن من ناحية الشمال إلى الشام ، كما صار من قبل ذلك بمأمن من ناحية الجنوب بعد صلح الحديبية . وبانهيار سلطان اليهود خفّت بغضاء المسلمين ، والأنصار منهم خاصة ، لهم ، وتغاضوا عن رجوع بعضهم إلى يثرب ، ووقف النبيّ مع اليهود الذين بكوا عبد اللّه بن أبيّ وعزّى ابنه ، وأوصى معاذ بن جبل بألا يفتن اليهود عن يهوديتهم ؛ ولم يفرض الجزية على يهود البحرين وإن ظلوا متمسكين بدين آبائهم ؛ وصالح بني غازية وبني عريض على أن لهم الذمّة وعليهم الجزية . وعلى الجملة دان اليهود لسلطان المسلمين ، وتضعضع في بلاد العرب مركزهم حتى اضطروا إلى مهاجرة تلك البلاد وكانوا من قبل بها أعزّة ، وحتى تمّ جلاؤهم في حياة الرسول على قول ، وبعد وفاته على قول آخر . على أن إذعان أهل خيبر وسائر اليهود لمصيرهم في شبه الجزيرة ، لم يقع مرّة واحدة بعد هزيمتهم ، بل لقد كانت نفوسهم في أثر الهزيمة ملأى بالغلّ والغضب أخبث الغضب . أهدت زينب الحارث امرأة سلام بن مشكم إلى محمد شاة - بعد أن اطمأن وبعد أن وقع الصلح بينه وبين أهل خيبر - فجلس وأصحابه حولها لياكلوها ، وتناول عليه السلام فلاك منها مضغة فلم يسغها ، وكان بشر بن البراء معه تناول منها مثل ما تناول . فأمّا بشر فأساغها وازدردها . وأما الرسول فلفظها وهو يقول : إن العظم ليخبرني أنه مسموم . ثم دعا بزينب فاعترفت وقالت : لقد بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت : إن كان ملكا استرحت منه ، وإن كان نبيّا فسيخبر . ومات بشر من أكلته هذه .